يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

226

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

وكان المبرد ينكر ذلك أشد الإنكار ، ويقول : لم يوجد ذلك في قرآن ولا كلام فصيح ولا شعر . وقول سيبويه أصح بأنه حكاه عن العرب ، وهو غير متهم في حكايته ، وليس كل لغة توجد في كتاب اللّه عز وجل ، ولا كل ما يجوز في العربية يأتي به القرآن والشعر . وللمبرد مذاهب يجوزها لم توجد في قرآن وغيره . من ذلك إجازته : إن زيد قائما قياسا على ما زيد قائما وهذا لا يكاد يوجد له شاهد من شعر أو غيره . واعلم أن العرب جعلت لمن يعقل اختصاصا في اللفظ يفصل بينه وبين ما لا يعقل ، وإنما ذلك لأن من يعقل يخاطب ويمر ويؤمر ، ويخبر ويخبر عنه ، وذلك الاختصاص جمعه مع السلامة . والحق ما لا يعقل بلفظ المؤنث لنقص رتبته عما يعقل كنقص رتبة المؤنث عن المذكر ، فجمع بالألف والتاء إذا سلم ، كما جمع مؤنث من يعقل . وسمي سيبويه ما لم يكن من الحيوان مواتا وإن كان في الحقيقة ليس من الحيوان ولا الموات لمساواته الموات في اللفظ . فقال : " ومما جاء في القرآن من الموات . . . قوله عز وجل : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ [ البقرة : 275 ] والموعظة ليست من الموات بالحقيقة . واعلم أن الجموع المكسرة مؤنثة كلها ، كانت لمن يعقل ولما لا يعقل أو المذكر أو المؤنث ، وحكم اللفظ في تأنيثها حكم تاء الواحد المؤنث تقول : هي الرجال وهي الجمال ، فتجري مجرى هي الجذوع ، وإنما ذلك لأنها خرجت عن الواحد الأول الأمكن الذي يقع - بالخلقة - فيه الفرق بين المذكر والمؤنث فأجري كله مجرى الموات ، تقول : جاء جواريك وجاء نساؤك فلا تلزمه التاء كما لزمت جاريتك ، لأن هذا التأنيث الحادث بجمع التكسير غير التأنيث الحقيقي الذي كان في الواحد . وكذلك ما لم يكسر عليه الواحد ، إلا أنه اسم للجمع كقولك : قال نسوتك ، لأن تأنيثها تأنيث جمع ، وواحد امرأة ، فحكمها حكم الجمع كما أن " من " لما كان في معنى الجمع ، جاز أن يرد لفظها على المعنى كقوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [ يونس : 42 ] . قال : وتقول : مررت برجل أعور آباؤه ، كأنك تكلمت به على حد أعورين ، وإن لم يتكلم به كما توهموا في هلكى ومرضى وموتى أنّه فعل بهم ، فجاءوا به على مثال جرحى وقتلى . قال النابغة : * ولا يشعر الرمح الأصم كعوبه * بثروة رهط الأبلخ المتظلم " 1 "

--> ( 1 ) ديوان النابغة الجعدي 244 ، شرح القصائد السبع الطوال 347 ، الكتاب وشرح الأعلم 1 / 237 ، شرح السيرافي 325 ، شرح ابن السيرافي 1 / 607 .